محمد أبو زهرة
3740
زهرة التفاسير
فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ والعثو تنقيص الحقوق واغتصابها ، وكل معاملة فاسدة ، وقوله تعالى : مُفْسِدِينَ حال من ( الواو ) والمعنى أنكم في حال هذه المعاملات الفاسقة تكونون قد تلبس بكم الإفساد لأنه مترتب عليها لا محالة . ثم يقول لهم إن الكسب الحلال الذي يعود لكم من التجارة الرابحة هو أثمن وأبقى فيقول : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 86 ) . أي البقية القليلة الحلال التي تفضل لكم من متاجركم ومعاملاتكم هي خير لكم وأثمن لأرزاقكم وأكثر وفرا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فإن الإيمان يولد القناعة ويقطع الطمع ، ومصارع الرجال تحت بروق المطامع ، ولذا قال : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ حفيظ يحفظهم من غضب اللّه وظلمهم أنفسهم . هذه دعوة شعيب تنزيه للنفس عن الشرك وتنزيه من البخس والظلم والطمع فما ذا كانت إجابة قومه ؟ ! . قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ( 87 ) . استنكروا دعوته في العبادة وفي إصلاح المعاملات ، ولما كان كثير الصلاة والضراعة قالوا أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أي تدفعك لأن تدعونا إلى عبادة اللّه تعالى وحده وترك عبادة الأوثان ، كما يستنكرون دعوته لإصلاح معاملاتهم ، وذلك من مبادئ الأخلاق الكريمة . ثم يقولون : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ، قال بعض المفسرين إن قولهم هذا كان تهكما عليه ، كأنهم يقولون أتحسب نفسك العاقل الرشيد المدرك وحدك وما أنت كذلك . وإني أرى أنهم قالوا ذلك قاصدين معناه على إدراكهم ، ولذا أكدوه ب ( إنّ ) بأن ، وباللام ، وأنت ، و الْحَلِيمُ : العاقل المدرك ، و الرَّشِيدُ الذي يدبر أموره على حكم العقل .